كان لا شَيء سوى هَزيز الريح. اعْتَدتُ الظلمة، تأقلمت على أني شخص آخر. أَتَعَرَّفُني من جديد من دون معاناة. اعتدتُ بأن الهزير سيشتد مرات ومرات، ليقطعَ ما أفكر فيه، أو سيفتح الباب ليدخل سجاني ليوقظني ويضع الطعام، أو ربما سيطوفون بي في الأسواق لتتعض البشرية مني كما فعلوا مع محمد.

في الليلة الأولى، رجّلوني فوجدتني محاطاً بأربعة جدران، أُغلق البابُ، سرتُ خطوتين ماداً يدي المتهالكة من صد الهراوات، حتى ألمس الجدار وأُسند ظهري عليه، الظهر الذي احتمل الكثير من السياط.

بداية الأمر اشمأزت جميع حواسي من المكان، حاولت حشدها وحشد عقلي ليسكنوا دون جدوى، جُل ما فكرت فيه هو فقدي لشكل الحياة في الخارج، هل ستشتاقني مثلما اشتقتها؟ لحظتها لم أفكر في عائلتي، ولا حتى التكسي الذي هو سبب وجودي هنا، طرأ في نفسي تساؤل ماذا عن صاحبي الذي نال النصيب الأكثر من الضرب، حتى أنَّ عينه تورمت من محاولة صد الهراوات بذراعه.

أصيل ذاك اليوم، تجمهرنا نحن أصحاب سيارات الأجرة في منطقة الراس، معلنين رفضنا القاطع لقرار الحكومة؛ الذي قضى بمنع اصطحاب العائلات ليتنزهوا في البر، والذي كان اضطهادياً بالنسبة لنا، وبذريعة خوفهم على الأُسر مما قد يصيبهم في الفلاة. فجأة ظهرت أمامنا ثلاث سيارات وأثارت علينا النقع الذي وصفه شاعرٌ أعمى، نزل منها رهط من الحرس، عيونهم تستقدح تجمهرنا، بسرعة أشاروا ناحية محمد: “هذا هووكذلك ناحيتي: “وهذا أيضاًلحظتها لم أتيقن أني وُسِمتُ هدفاً للهراوات والسياط وأعقاب البنادق، فأمسكني اثنان من الحرس تناصفا على جسدي، وجَرُّوني إلى سيارتهم وأنا أحاول دفعهم والمقاومة دون جدوى. حينها انتبهت لاثنين يقومون بسحب محمد المغشي عليه من يديه، والدماء تسيل وتقطر من وجهه المائل جهتي، شعرت بغضبٍ وثورةٍ في داخلي، لكن لم تكن لدي قدرة لأخرجها فأردرعهم.

أتذكر عودة هَزيز الريح. هدأت ليلتي الأولى عندما تنبهت لوجود ثقوب أعلى الجدار، بدأت أتأمل النجوم منها وفي ذهني حال محمد. لم أكترث لدجنة الليل، أرقبها بأن تتحرك أو تتلاشى، لكنها أبت إلا أن تكون كشعرة الشيب ثابتةً وشامخة، ثُمَّ بدأت أتخيل أن الثقوب تتوسع أقطارها، وتقترب منها إحدى النجوم أكثر فأكثر، نازعة لثام السماء عنها. استرجعت الذكريات من خلال توهجها أمامي، أراني خلالها أقوم بدفع المال، الذي جمعت نصفه سلفاً، ثمناً لسيارة الأجرة، مُستقبِلاً بالتهليل والتبريكات من أهل الحي. مستلماً أجرة أول زبون. أصرح لأمي وأخواتي بنية الزواجإلى أن أجدني مفترش الأرض ببطني والسجان يوقظني لأتناول الطعام.

وفي ذاك اليوم، أشاروا علينا أن نتقدم بعريضة موقعة إلى الشيخ لينظر فيها، لكننا اتفقنا على عدم جدواها؛ بسبب ما شهدت الأعين من أساليب القمع والكبح لأي رفض في وجه السلطة. سرعان ما تم الإتفاق بأن الإضراب سيكون في منطقة الراس، فتجمعنا بعد صلاة العصر، وانضم إلينامحمدوالذي لا أعلم ماذا حصل له في غَيابة الجُبِّ، ولا حتى أخبار عنه منذ اليوم الذي خرجت فيه من السجن، سوى أنهم طافوا به بالأسواق ثلاث مرات. لم يكن من أصحاب سيارات الأجرة، لكن انضمامه جاء توافقاً مع حسه القومي الرافض لبريطانيا وتقييد الحقوق والحريات، حسب ما سمعت عنه قبل أن ألتقي به. كنا بحاجة لشخص مثله؛ يشعر بما نشعر به ويملك العناد والجرأة والتصدر للموقف.

منذ خروجي من السجن، رجوتُ شيئين، زيارة الليل مبرزاً شيبه، ونبأ خروج محمد من السجن. النجوم ثابتة لا تتحرك. أخذت الشائعات بالانتشار، واحدة مفادها بأن القنصل البريطاني اتخذ من محمد شماعة لينزل البلاد تحت الحكم البريطاني المباشر، وأخرى أن السلطة تذرعت بتأديبه بسبب شتمه المستمر لبريطانيا من أجل فلسطينوكأن محمداً صار سلعة تتساوم عليها الأصنام البشرية.

مرت أيام وأنا على هذه الحال منتظر، إلى أن جاء الفرج يبث البُشرى بخروجه من السجن، ونحن، أصحاب سيارات الأجرة، كنا أول من يستقبله ويتحمد له، لقد كان هزلاً جداً، والهدوء والراحة يتوهجان من عينه الواحدة؛ لأن الأخرى بدت مشوهة المحجر من أثر الضربة التي تلقاها، وآثار الأغلال بارزة على قدميه. كان شخصاً آخر عندما خرج، ظلّ بعد ذلك فترة وجيزة في الكويت قبل أن يرتحل إلى البصرة، ومنها إلى الهند. إن المبادئ التي آمن بها محمد بقناعته خلال رحلته في الحياة يصعب سلبها، وستظل متقدة في داخله، وحتى لو حاول أحدٌ تحطيمها أو انتزاعها فسيستمر أثرها لمن يليه.