
رواية دم الثور للكاتب نزار شقرون الصادرة عن دار الوتد، رحلة يقوم بها ثلاثة أصدقاء آركيولوجيين عرب لحضور موتمر في بغداد، فتبدأ عندما يلتقون في عمّان، وترافقهم فوتوغرافية إسبانية ذات شخصية غامضة ومثيرة للتساؤلات، ليتغير خط سير الرحلة بعد ذلك للبحث عن باب مفقود، سقط من أبواب كتاب كليلة ودمنة لعبد الله بن المقفع. فيسدل الستار عن أنفس الأصدقاء وما تملك من أهواء، مثل الطمع والقناعة، والجشع والجزع، والعدل والجور، والعقل والحمق، والبحث عن الكثير من الإجابات التي تشبع الفضول، وكذلك تعتبر الرواية دعوة للوقوف على التاريخ العربي وقراءته بشكل مغاير لكي يحاذي الحاضر.
يسند السرد لراوي متماهي في الأحداث وهو التونسي سعدي، والذي يقوم باسترجاع علاقته بزوجته، فعلاقة سعدي الزوجية متوترة وغير متوافقة على كونها ابنة عمه، وبخلاف ذكريات علاقته المؤقتة بزينة وكيف وجد معها التفاهم الروحي والفكري، وعند دخول بقية الشخصيات نرى بأن الكاتب قد وظفهم على النقيض من السارد، فأيمن يبدو من بداية حضوره في ذهن السارد مفتون بالملذات وبدليل اختيار زوجته حسب التي فتن بمظهرها أولاً، أما السوداني طه أصرّ على الزواج من فتاة لا يعرفها وكان أكثرهم في الحنين للعودة لأرضه وزوجته. وفي هذا أتم نزار شقرون عرض قضية الذات وتوافقها مع الآخر في ثلاث مستويات مختلفة، الزواج من ابنة العم ، والزواج من الغريبة، وحسب المظهر.
عند عرض الشخصيات من خلال الحوارات التي درجت، يتضح بأن كل شخصية رئيسية تم تصميمها بشكل متناسق مع الحبكة، فاختلاف السمات بين الشخصيات غاية ضرورية لاثارة الذهن، فالسارد من البداية يبدو كمن يبحث عن إجابات لأسئلة مبهمة، وتأتي الاسبانية ذات الأصول العربية لتضيف عنصر الغموض من لحظة دخولها في السرد، وأيمن فيحمل دائماً عنصر المفاجأة عند أي ظهور له، وأما السوداني طه على كون الجزع الذي أصابه لحظة وصوله بغداد وسماع القصص، إلا أنه يضيف عنصر الكوميديا في حواراته، فالتنوع الذي صنعه نزار شقرون في سمات وصفات الشخصيات جعل السرد غير ممل على طول الرواية.
جاءت بغداد في الرواية لتكون نقطة إلتقاء الماضي بالحاضر، وقد رسمها نزار شقرون لوحة معبرة عن وقوف شاعر على الأطلال يرى ما تبقى من آثار الدمن، حيث كانت العاصمة في أواخر التسعينيات يظللها البؤس والخوف والفقر، من جراء العقوبة التي فرضت عليها بعد انسحاب الجيش العراقي من الكويت، وما صاحبه من ظهور معارضة في مناطق أخرى بالعراق، وكيف تم القمع “فشهدت البصرة تحديداً أعمال قتل لا يُعرف فيها العدو من الصّديق، إلى حين وصول القوات العراقية لتمشيط المدينة من المعارضين“، فكل ما تم وصفه عن مظاهر القمع من أثر تداعيات الحرب، وعدم ثقة الإنسان بالإنسان، إلا أن الشعب العراقي ظل محافظاً على تراث الحضارة التي ورثها عبر أجيال، ويؤكد نزار شقرون هذه النقطة عندما يتطرق للقصف التي تعرضت له العراق الذي طال بعض البنايات والأماكن التاريخية. أي أن هوية كل أمة متصلة اتصالاً وثيقاً بإرثها التاريخي والحضاري.
لكن السؤال الذي ألح علي أثناء القراءة متعلق بالشخصيات وهو: ما الهدف من تنوع الجنسيات في الرواية؟ ولماذا اختار بغداد لتكون حاضنة لهم وللأحداث؟ ولأن التأويل في هذا الشأن سيكون مفتوح وفقاً للمعطيات، أرى من وجهة نظري بأن الكاتب تعمد إسقاط هذا التنوع على الدولة العباسية التي كانت تضم في عاصمتها الكثير من الأطياف والشعوب، فالسارد تونسي ورفيقيه مصري وسوداني، وبالإضافة إلى الإسبانية التي ترجع لأصول عربية، وهذا يرمز إلى العصر التي ازدهرت فيه الثقافة في بغداد، وكذلك توسع رقعة خارطة العالم العربي الإسلامي.
دخول تقنية مثل الرؤى والأحلام في الرواية أضاف الكثير من التشويق في السرد، ففي الفصل الأول يسترجع سعدي حلماً نُقشت تفاصيله بذاكرته وفيه شيخٌ تكوّن من الكثيب فحاوره وأوصاه في النهاية “عدني أن ترحل، عدني أنْ تفتش عن السرّ كي يعود إلينا السّتر، القبر ستر، القبرُ ستر، تقدّم لشأنك!“، ثم ماتلاه من ربط مع الوصية التي أخذتها الفوتوغرافية الاسبانية من جدها “ابحثي عن دم الثور“، ساهمت في تماسك الحبكة للرواية، وكذلك استقصاء الواسطي عن كتاب كليلة ودمنة من خلال قصة ابن المقفع عندما أخفى الكتاب لدى صديقه الشاعر مطيع بن إياس خوفاً من السلطة. هذه التقنية تعبر عن شحذ انتباه القارئ عما هو مقبل عليه عند التوغل في تخوم السرد؛ أي أنها وسيلة استشراف، لكن براعته في هذه الرواية أنها تمثل بنية رئيسية في السرد.
ركز نزار شقرون في روايته على نقطة توافق العقل والعدل، فإن كان بينهم تنازع لساد الجور بدل العدل في العالم، وفي هذا يقول واصفاً الباب المفقود من كليلة ودمنة “بأنه يصرح بأن العقل هو أساس الملك، وإذا تزعزع مُلكٌ فهو بسبب تزعزع العقل، وإذا غاب العقل تزعزع العدل أيضاً“، فالدعوة للبحث عن باب مفقود وهو باب اختص بالعدل، أشبه بالدعوة لإعادة النظر في تاريخنا وتفحصه بشكل جاد ليناسب حاضرنا، دون أن نتوقف على ماضٍ فاض علينا وأغرقنا بخيباته، فقد ركز الكاتب على إيصال هذه الرسالة، التي جاء البعض منها على لسان الفوتوغرافية الاسبانية من خلال استنكارها لردود أفعال وأقوال الشخصيات عما يراودهم عند الحديث عن التاريخ العربي، ووصفه بجيفة وأن الأجساد العربية تربة خصبة للأوبئة. فاعادة قراءة التاريخ ينبغي أن تكون جادة وحريصة على انتفاع الحاضر منها، لا مجرد وقوف وتحسر وعويل على الماضي.
رأيي في الرواية بأنها جميلة لكنها بالطبع ليست خالية من العيوب، فبعد أن قمت بتحليل المزايا السردية باطناب، سأقوم بذكر بعض العيوب بإيجاز، مثل وجود دلالات لا مسوغ لها في تمهيد الرواية، كذلك استخدام اللغة العامية بكثرة عند الحوار، وعند قيام أي شخصية باسترجاع أحداث سابقة.