تدور القصة حول برهان الذي تلقى صدمة عاطفية من قبل طالبة مختبرات بالجامعة بسبب رفضها له، بيد أنه وهو في الطريق عائداً إلى منزله يقوم بركل أول حصاة صادفته وهو في الطريق، ومن هنا تبدأ رحلته العبثية والمليئة بالفنتازيا مع الحصاة التي تتغذى مع كل ركلة وينمو حجمها، فينشغل بها عن جميع همومه وتصبح كل تركيزه.
العنوان: –
اختيار العنوان البشع أو القبيح في الغالب يكون منفر لذهن القارئ، وهناك الكثير من العناوين المنفرة التي اشتهرت مثل رواية فئران أمي حصة لسعود السنعوسي، الطاعون لألبير كامو، ولن أطيل في الأمثلة لأن صاحب الطاعون يكفي، بسبب وجود اقتباس له في بداية القصة وهو يعبر عن الفكرة العامة فيها. “ليس هناك أفظع من عمل متعب لا أمل فيه ولا طائل منه” هذا الاقتباس مأخوذ من كتاب أسطورة سيزيف لألبير كامو، وسيزيف حسب الأسطورة الإغريقية كان ماكراً وكذاباً ومخادعا وجميع الصفات السيئة استوطنته، لدرجة أنه أغوى ابنة أخوه وغدر بوالده وقتل ابنه، فأنزل به زيوس عقوبة، وهي أن يحمل حجرا ثقيلاً ويصعد به إلا قمة الجبل، فحين يقترب من قمة الجبل تخار قواه ويضعف ويسقط منه الحجر، حتى يعاود الكرة في اليوم التالي، وكذا استمر عقابه.
النص على كونه قصة قصيرة إلا أنه مملوء بالدلالات، حيث نجد أن ضياء جبيلي اعتنى بصياغة تراكيب الجمل مع المفردات بشكل جميل، فالقصة على كونها خفيفة وذات شكل واضح، إلا أن داخلها أبعاد فلسفية عميقة.
ففي تمهيدها يذكر لنا الراوي العليم أن زمنها في فصل الربيع. “عاد برهان إلى منزله راجلاً. كان حزيناً، ومحبطاً، بعد أن تلقى آخر صدمة عاطفية“. هذا التمهيد كان من الممكن أن يكون أقل من عادي لو لم تأتِ كلمة “آخر“، فدخولها أثناء العرض وعلى هذا السياق يثير التساؤل، لكونه تعود على هذه الصدمات، فلماذا هو حزين؟ ولماذا الإحباط؟ ألا يجب أن يكون الأمر عادياً، ولا سيما حين نعلم أن هذا كله بسبب طالبة تدرس علم الأحياء في الجامعة، “إذ ما زال يحاول استمالتها، منذ المرة الأولى التي رآها فيها في المختبر، قبل عدة أسابيع، حتى فجعت قلبه“، الغريب هنا أن المدة قصيرة حتى تتشكل العواطف وتناسب الحالة التي عرضها الراوي!
يذكر الراوي أن برهان “وعلى غير عادته، كما يفعل العشاق المخذولين، في قصص وأفلام الحب، دس يديه في جيبي بنطلونه، وشرع يصفر بفمه لحناً حزيناً“. تغيير العادة جاءت مناسبة مع تصاعد الأحداث التالية إلى حد الحبكة، ودخول التهكم المبطن على قصص وأفلام الحب وما يترتب عليها من أفعال مبتذلة. ثم الانتقال للحصاة التي كانت شغله الشاغل وعليها دارت الحبكة، “كانت حصاة عادية رمادية اللون، لكنها لا تبدو مثل باقي الحصاة، فهي كما لو أنها مدورة كما لو أن أحداً جعلها على هذا النحو، ليسهل ركلها،“. يستمر التركيز السردي على هذه الحصاة، التي كلما ركلها برهان بعيداً، تظهر من جديد وتزداد حجما. فصارت كالشيء الذي ليس ضروريا في الحياة ولن يضيف لك شيء، لكنك تفضل التمسك به لأنك فقط اعتدته، كمثال: الهواتف الذكية والتطبيقات العديدة فيها والتي لا طائل منها سوى مضيعة الوقت. الحصاة هنا أشغلته عن دخول المنزل بسبب فضوله لمعرفة أي مدى سيصل حجمها، على يقينه بعدم فائدتها، فغدت تكبر وتكبر مما توجب عليه دفعها بقدمه بقوة، ويزيد لديه الدافع من أجل كشف هذا الغموض.
“جلس على الحصاة، وراح يفكر بحياته الماضية، واكتشف أن ما قام به من أعمال، طيلة عمره، لم تكن أقل وطأة وثقلا وبؤساً مما يقوم به الأن، وهو يدفع حصاة تتغذى على دحرجته إياها“. اللافت للانتباه هنا إقحام القارئ في عبثية النص وبكل سلاسة، لأن التركيز العام صار على الحصاة وكأنها أخذت دور الشخصية الرئيسية من برهان، فنلاحظ في الاقتباس كيف تحولت هذه الحصاة العجائبية من لا شيء إلى شيء مهم ولا يمكن الاستغناء عنه لدى ببرهان، وكأنها جزء أساسي من حياته كالطعام والشراب والنوم.
“حمّصت الشمس اللاهبة والصقيع البارد وجهه، حتى صار أشبه بأحد المسوخ“، “كان يأكل ويشرب مما تجود به أيدي الناس، بالقدر الذي يوفر له القوة اللازمة لدفع الحصاة التي أصبحت بنصف قامته“. يعزز الكاتب أثر الحصاة الذي بلغ من العظمة في نفس برهان حتى صار دفعها مقدس لديه، لدرجة أنه كان يدفعها في بالمناطق القذرة والنتنة ولا يأبه.
أثناء النزول بالأحداث وصولاً إلى الختام، زاد الكاتب من رتم عبثية كافكا ووجودية كامو، دون أن يخل بتماسك الأحداث، وتحديداً عند الخروج من البقعة النتنة في طريقه إلى الصحراء: “اكتشف برهان أنه لم يكن وحده هذه المرة، فقد كان هناك الآلاف من الجعول المنهمكة في دحرجة كرات الروث بقدميها، بينما يدفع هو كرته بيديه. ولا يعرف إن كانت تلك العجول قد تعملقت وتضخمت حتى صارت بحجمه، أم أنه من تضاءل…“. يبدو إدراك برهان في هذه اللحظة أن حجمه تضاءل لا الحصاة يقينياً، ولم يكترث وينزعج لتحوله جعلاً، وعلى كون الاستغراب الذي أبداه وهو يرى جبلاً في مدينة البصرة، فظن أنه جبل سنام، الذي اشتهر بأسطورة تحركه عن موضعه.
“لكن هل هذا هو حقاً؟”. هذا التساؤل الذي صدر من برهان بسبب مشاهدته للجعول، والتي كانت مرهقة بعد أن جمعت الروث وقامت بالصعود به لوضعه في مكان مرتفع حيث تسكن، فقرر بعد أن فكر أن يحذو حذوهم. الغريب في النهاية مفارقة بحيث أن برهان كان متفائلاً وسعيداً بما صار إليه، بخلاف صاحب الأسطورة سيزيف الذي كان شقياً وبائساً بعقابه.
تحليل البعد الاجتماعي والسياسي في القصة: –
نرى بأن ضياء جبيلي لم يفوت هذا المنحنى، ونراه يتطرق له كثيراً ما بين السطور، خصوصا عندما يصور الصبية المتذمرين، ونراه يغوص فيه عند وصف الحلم: “رأى في نفسه وهو فوق الحصاة نفسها، لكن بشكلها العملاق، كانت عبارة عن كرة كبيرة، ضخمة، راح يدحرجها بقدميه، مثل البهلوان…“، ففي الحلم كأنه يرسم لوحة فنية تصور الخراب والدمار الذي استوطن العراق والعالم العربي، والفتن التي اشعلوها فيهم، وبرهان متسلق صخرته اللي باتت أضخم من الكرة الأرضية، ويرى ما يحدث في بهدوء، وكأنها اسقاط على حال البعض، وهم يرون دمار ما حولهم ببرود.
الجانب الفني في القصة:
في المقدمة كان التمهيد أكثر من رائع، بحيث كان عرضه وافي، وكتبت سالفاً عن الألفاظ التي أضافت عنصر عدم الاستقرار والتي نحفز التساؤلات لدى القارئ. ثم التصاعد في الأحداث مع حصاة برهان إلى تعقيدها ووصولها للذروة، ونزولاً بسهولة لحل هذا التعقيد. وبما أن التركيز، وهو الذي يعد أهم عناصر حبكة القصة القصيرة، كان حاضراً وبقوة على الأحداث فإنها استمرت متماسكة إلى نهايتها، فالنهاية كانت مفتوحة وهذا ما يجب أن تنتهي إليه أي قصة اختارت الإطار العبثي.