رواية (ولا غالب) للروائي عبدالوهاب الحمادي هي رواية الحنين للماضي، والسؤال عن المستقبل بأداة لو الشرطية، مكانها غرناطة الذي تلتقي فيه أربع شخصيات، طبيب وإعلامي وداعية من الكويت، وسائق فلسطيني الأصل، فيدور بينهم سجال وجدال حول التاريخ وسقوط غرناطة، وما جار عليه من مصائب الزمن.

يعود السبب الذي دعاني لاختيار هذه الرواية لكونها متعددة الأصوات، حيثُ يخطو القارئ فيها بين مستويين متوازيين؛ مستوى يقوم على السرد وعناصره، وفيه تقوم الشخصيات بتناوب السرد، ومستوى ثانٍ من الرواية يقوم على رسائل مرسلة إلى المؤلف الضمني ومن عدة أشخاص؛ منها رسائل أثناء كتابة هذا المؤلف للنص ومنها ما هو قبل شروعه بالكتابة، وهكذا فإن الهيكل العام للبناء السردي يقوده مؤلف ضمني برصانة، مما يجعل المستويين متماسكين ببعض.

إن روايات تعدد الأصوات تتميز بتعدد الوعي داخلها؛ كل شخصية لها موقع إيديولوجي وأهواء خاصة بها، وعليه ستتنوع الأفكار والمواضيع والقضايا بتعدد الشخصيات داخل النص، وبدوري سأقوم بتعقب هذه الأفكار والمواضيع والقضايا التي طرأت وما رأيت بأنها مناسبة، سواء أكانت على السطور أم فيما بينها، من خلال التطرق عن مستوى السرد أولاً، ثم مستوى الرسائل ثانيا، وأخيراً سأتحدث بإيجاز عن الانتقال السردي من الواقعي إلى العجائبي.

الرواية اليوم تمثل مصدر ضروري لمعرفتنا بالواقع لا سيّما إن كانت تاريخية، فهذا القالب التاريخي وغيره من القوالب ليس إلا وسيلة للإبداع.

مستوى السرد: –

يضعنا المؤلف الضمني أمام ست شخصيات تقوم بتناقل السرد فيما بينها، وهي الكاتب والطبيب والمؤرخ والسائق، وسأستثني شخصيتَي الإعلامي النحيل والداعية السمين لكون الكاتب هو من نقل أصواتهم، سأقوم بتوضيح الإختلافات بين السُّراد الأربعة ومواضعهم وزمن سردهم، والتطرق لبعض صفاتهم.

١- الطبيب: شخصية جاءت مفتتحةً للسرد، فهو سارد صريح ويمكن ملاحظة أن زمن خطابه متساوق لزمن الحكاية، وقد غلب عليه طابع الشخصية النفسية؛ ذلك بسبب ذكريات الزوجة المفقودة القابعة في ذهنه واشتراكها في المكان، مخزون رصيده من الإطلاع التاريخي فارغ بالنسبة لباقي الشخصيات، وهو من المحاور الرئيسية في النص لكثرة الفصول التي تنقل بصوته، وتعلق باقي مكاشفات أغلب الشخصيات به.

٢- الكاتب: هو ساردٌ عليمٌ ومتخفيٌ؛ أي غير ظاهر في السرد، لكن صوته أثناء السرد دائما ما يستدعي مفاجئة؛ فهو يبدأ خافت ومجرد واصف للمكان والحدث، ثم ما يلبث أن يُظهر سلطته على النص عندما يقول معلقاً على مشهد سرد الإعلامي لقصته: “أبدأ بحديث الإعلامي…” ويستبق الأحداث أحياناً “ثم أنتقل بالحكاية إلى الداعية…” ناهيك عن تنقله بأذهان الشخصيات ومعرفة ما يفكرون فيه “تخيَّلوا أنّ غرناطة القرن الخامس عشر ستكون مقبرتهم”، إلا أن زاوية رؤيته بالغالب تكون مسلطة على الطبيب وخياله، ولوجود مؤلف ضمني له السلطة عليه اعتبرنا الكاتب أحد الشخصيات المتخفية.

٣- المؤرخ: جاء صوته ليسرد لحظة استرجاع لقاءه بالطبيب وبباقي الشخصيات في فصلين، وأيضا ليعلل ويعقب على ما شهد من الأحداث، وهو بهذا يكون سارد صريح، مسيحي تعلم اللغة العربية في موريتانيا، ويُدرِّس تاريخ الفنون الأندلسية في جامعة غرناطة، أي بنظر الأبطال الشرقيين مستشرق.

٤- السائق: يعتبر الشخصية النامية والجدلية في السرد، حيث يصعب رصد انفعالاته في الأقوال والأفعال، فيتفرد في فصلٍ واحدٍ ليحكي عن قصة حياته، فهو فلسطيني وُلد في الكويت وعلى إثر تداعيات غزو العراق للكويت تقوم أسرته بالترحال إلى الأردن، وهناك اكتشف والده علاقته بجماعة مشبوهة متسترة بقناع التّدين، فيقرر الهجرة إلى إسبانيا أي من شتات إلى شتات آخر، إذن فشخصيته تعرضت للكثير من الإضطرابات وهو ما استثمره المؤلف الضمني في السرد.

إن لقاء الشخصيات الستة المتنوعة في مكان مثل غرناطة، والأحاديث التي دارت بينهم، سواء أمجتمعين كلهم أم لا، من توافق وتناقض وجدال، في تقديري تحيل إلى مصطلح المثاقفة في التراث العربي القديم، وكذلك المكان الذي جمعهم يثير مصطلح المثاقفة في معناه الحديث؛ والذي يأتي مناهضاً للاستشراق والاستعمار والعولمة، مع العلم أن العالم اليوم يعيش أزمة فهم للمصطلحات الحديثة من حيث الدلالة المعرفية.

أولاً مصطلح المثاقفة في التراث العربي هو ما اشتهر عند أبي حيان التوحيدي في كتابه الإمتاع والمؤانسة، حيث أورده أبو وفاء المهندس وهو متعطش لمعرفة الأحاديث التي دارت بين التوحيدي والوزير “فلعل هذه المثاقفة تبقى وتروى، ويكون بذلك حسن الذكرى”[1]وكانت المثقافة في مكان واحد – مجلس الوزير – موزعاً على ليالٍ متتابعة. 

كذلك باعتقادي المثاقفة التي رصفت في النص مشابهة لها، إن سلمنا بأن الطبيب برصيد إطلاعه على التاريخ فارغ فهو يشبه المكان؛ أي مكان المثاقفة التي تتم فيه تبادل شتى العلوم والمعارف، بناءً على هذا يجتمع مع شخصيات متنوعة، لكل شخصية منها فكر ووعي خاص بها، الإعلامي له فكره القومي المسيطر عليه، وكذلك الداعية وتشدده في أمور الدين، يأتي السائق المشتت فكريا، والمؤرخ الإسباني الذي لديه صورة نمطية عن تفكير العربي، وهكذا يتم فعل المثاقفة بين هذه الشخصيات على فرضيات ما بعد ال(ماذا لو؟)، ماذا لو لم تسقط غرناطة؟ ماذا لو عبدالله الصغير لم يسلم الأندلس وقاوم؟ ماذا لو استمرت دولة الأندلس؟ تتوالد الأفكار والتأملات وتختلف وجهات النظر فيما بينهم. 

ثانياً المثاقفة في مصطلحها الحديث تعني “عملية التغيير أو التطور الثقافي الذي يطرأ حين تدخل جماعة من الناس أو شعوب بأكملها، تنتمي إلى ثقافتين مختلفتين، في اتصال أو تفاعل يترتب عليهما حدوث تغييرات في الأنماط الثقافية الأصلية السائدة في تلك الجماعات”[2] وبهذا المعنى تكون المثاقفة “رافداً مهماً تسعى كل أمة من خلاله إلى معرفة الآخر والاستفادة مما لديه من قيم حضارية وإنسانية، وفي الوقت نفسه تسعى إلى تنمية كيانها الثقافي مع المحافظة على مقومات الهوية القوية وثوابتها”[3] لا فعل تخريب وتشويه وهدم يهدف لتغييب الهُوية وطمسها كالغزو الثقافي الذي صدَّره الاستعمار، وأشهر قنوات المثاقفة الرحلة والترجمة والمعارك والفتوحات، ونذكر هنا “الفصل الثالث والعشرون في أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب…”[4] من مقدمة ابن خلدون.

وهذا ما ينطبق على مدينة مثل غرناطة نتيجة المثاقفة التزامنية التي وقعت عليها، فأولاً كانت الإمبراطورية الرومانية تحكمها، ثم أزاحتها دولة الإسلام التي ضعفت وتفككت وسلمتها للدولة المسيحية لتحكمها، ففي هذه الدول المتتابعة عاشت فيها شعوب وتواصلت مع غيرها من الشعوب وحدث فيها تلاقح ثقافي؛ وهو ما تم التطرق إليه في الرواية من قِبل شخصية المؤرخ، والذي لم يلقَ قبول لدى باقي الشخصيات، حيث كان يراه بعين الغالب؛ أي أن المثاقفة ضرورة حيوية تنمي معرفته بالآخرعبر التاريخ، على خلافه باقي الشخصيات كانوا ينظرون بعين المغلوب، فالمسلمين عندما فتحوا الأندلس عاملوا أهل الذمة بكل احترام وسمحوا لهم بممارسة طقوسهم الدينية، بينما النصارى نكثوا العهد ونكلوا بالمسلمين بعد أن سُلِّمت لهم غرناطة، فيكفي الاطلاع على تاريخ محاكم التفتيش وما جرى للمورسكيين، حتى يتضح لنا حق الفرد العربي في الإختلاف.

مستوى الرسائل: –

بناء هذا المستوى من الرواية قائم على الرسائل، والتي جاءت مرسلة إلى الكاتب فقط لا منه، ومن خلالها تُطرح عدة قضايا وتساؤلات، بالإضافة لكثير من الدلالات على شخصية الكاتب، والشخصيات الأخرى في المستوى الآخر من الرواية.

عدد الرسائل تسع وعشرون وموزعة على ثمان شخصيات، كان للأديبين واصل الشرقاوي وفرحان السيوفي النصيب الأكبر وبالتساوي بينهما؛ تسع رسائل لكل منهما، ثم يأتي بعدهما الأستاذ الدكتور إبراهيم الجلاد بعدد خمس رسائل، ويليه البروف غانم الغانمي برسالتين، وزمن هذه الرسائل جاء متعاقب لبعض فصول المستوى الآخر من الرواية، ثم يتبقى لدينا أربع رسائل مفرقة على أربع شخصيات وهي فايز فوزان المرجان وعاهد سليمان وعبد الحي القرطبي ومسعود المرسل، وزمنها كما يبدو جلياً سابقاً لزمن الكتابة. بدوري سأقوم بأخذ الشخصيات الأربع الأولى على حدة؛ بحجة كثرة رسائلهم، ولتقاربهم مع زمن كتابة الفصول.

أرى أن المزية في هذه الرسائل تكمن بوجود تصارع أقطاب من كلا الاتجاهات، مؤطرة بمأزق روائي شاب شرع في كتابة روايته الأولى، فيتلقى النصح والإرشاد من أصحابها. الأقطاب هم واصل الشرقاوي وفرحان السيوفي من جهة، وإبراهيم الجلاد والبروف غانم الغانمي من جهة آخرى.

أولاً في الجهة الأولى لدينا الأديب واصل الشرقاوي، الذي من خلال ما يرسل تتبين شخصيته النرجسية وسقف الأنا العالي جداً، فحيثما حلّ يذيّل الرسالة بموقعه، وسبب الوجود فيه والذي تنوع بأسباب كالتباهي بحضور مؤتمر أو لاستلام جائزة، أو للتكريم، فهو من الكتّاب الذين جلّ همهم رصد موضوع مثير للذهن وملفت للأنظار؛ لحصد شهرة واسعة ويكون الأكثر مبيعاً، وعلى هذا فقد كانت نصائحه قيمة  “لذا الكتابة عمل شاق لا عمل ذهني صرف، مثل تقطيع الجبال وحفر الأنفاق ومدّ الجسور”[5]  وملاحظاته ثمينة للكاتب وخصوصا بما يتعلق بفنية النص، سواء أكانت باستخدام الراوي العليم “تعبتُ من ترديد أنه شيء لا يلائم عصرنا”[6] أم بتعدد الأصوات “تعدد الرواة، مبشر بخير، بدأت تمتلك أدواتك”[7]، أو بتغيير أحد الشخصيات “ثمّة أشقر طلب قداحة، لِمَ لا تحوّله إلى فتاة شقراء؟ ذلك أوقع للقراء العرب”[8] والمزيد غير ما ذكرت. يقابل واصل في الجهة الأخرى نقيضه الأديب فرحان السيوفي، الشخصية المتواضعة والمتأدبة في النصح والإرشاد للكاتب في كل رسالة “الإبداع لا يعترف بالمعادلات الهندسية، حدد الخطوط العامة وانطلق وسيتخلّق معك النص بين يديك، وتفتح لك آفاق لم تُفكّر بها”[9] وإضافة لهذا كانت كل الرسائل تتراشق سخرية واستهزاء من نصائح واصل الشرقاوي، وعلى شخصه وفكره. 

عبر خطاب هاتين الشخصيتين يتلاشى الإطار العام -أي مأزق الروائي الشاب في محاولته الأولى- وتظهر لنا مشكلة نعاني منها في المجتمع، كما بدا لي، وهي تفاهة هموم بعض المثقفين لدينا؛ من السعي للصدارة والشهرة بأي ثمن كالتخلي عن المبادئ، والبحث عن مطبلين ومصفقين، أو مراقبة الآخر بما يقول وما يفعل والسعي للنيل منه في أي فرصة. فالمثقفين الذي حددهم كوزر”بوصفهم الأفراد الذين يعنون بالقيم المركزية في المجتمع” وذلك لامتلاكهم أدوات قادرة على الوصول لوعي الأفراد والتأثير عليهم.

ثانياً في الخط الموازي تظهر شخصيتان بينهما صراع فكري حضاري عميق وهما أ.د إبراهيم الجلاد والبروف غانم الغانمي، فالأول حداثيّ؛ والحداثة مصطلح مطاط يراد بها التجديد أحياناً، لكن ما نفقهه كثيراً بأنها رفض كل ما هو مرتبط بالقديم؛ أي هدم جميع ما سبق والبناء من جديد، أما الثاني أصولي؛ متمسك بكيانه وهويته والتراث ويرفض رفضاً قاطعاً هدم القديم، إذاً فالأول يرى الثاني متخلف ورجعي وجاهل، وكذلك الثاني يرى الأول تغريبي ومهاجم للثقافة العربية الإسلامية، وكل هذا يجري في خطابهم أثناء مراسلاتهما للكاتب مع إبداء الأراء فيما كتب من فصول، فيخلِّص أ.د إبراهيم الجلاد باعتبار “التاريخ رأي شخصي، لا حقيقة دامغة”[10] مع استشهادات بأراء المستشرقين، يرد البروف غانم الغانمي “فكم ابتلينا بهؤلاء المستشرقين يحاولون هدم التراث وهيهات…”[11] وقد أخذ كتاب الداعية أبي الحسن الندوي حيزاً من هذا الصراع، وهو (ماذا خسر العالم بإنحطاط المسلمين) الذي يسرد في بدايته نظرة استقرائية شاملة عن الحضارات القائمة قبل الإسلام، وكيف كانت؟ وكيف هي أخلاقهم؟ وماذا بعدها… لقد أحال ذاكرتي هذا الصراع الفكري بين الجلاد والغانمي لصراع آخر مشابه له، وهو المحمول في مقالات مجلة الرسالة وكتاب (أباطيل وأسمار) لمحمود محمد شاكر حيث كانت السجالات الحادة بينه وبين الدكتود لويس عوض، وغيرها من سجالات المعارك الأدبية التي رقنها أنور الجندي في كتابه، وعلى هذا أستذكر كلام للشيخ أبي فهر محمد شاكر عن الاستشراق والمستشرقين في كتاب رسالة في الطريق لثقافتنا: “أَفَمُستطيع هو أيضاً أن يتجرد من سلطان اللغة التي غذّي بها صغيراً، وبها صار إنساناً ناطقاً بعد أ٫ كان في المهد وليداً لا ينطق؟ أَفَمُستطيع هو أن يتجرد من سطوةِ الثقافة التي جرت منه مجرى لبان الأم من وليدها؟ أَفَمُستطيع هو أن يتجرد كل التجرد من بطشة الأهواء التي تستكين ضارعة في أغوار النفس وفي كهوفها حتى تمرقُ من مكمنها لتستبد بالقهر وتتسلط؟”[12]

يبدو بأن عبد الوهاب الحمادي تعمد تقليل الرسائل بين المؤرخين بمقابل تكثير رسائل الأدباء، ولعل الغاية في هذا تعود على التماشي مع شخصية الكاتب الضمني الشاب، فالرسائل التي عددها سبع تحمل قضية من القضايا المهمة والمرتبطة بمجال العلوم الإنسانية، إذ أن الحداثة سببت صدع في مجتمعنا العربي، وأظهرت على إثرها تيارين متناقضين؛ تيار الأصالة وتيار المعاصرة “فالإنسان في هذه الأيام واحد فقط من اثنين، بالنسبة للحداثيين العرب: إما حداثي أو رجعي جاهل”[13]. على حين رسائل واصل وفرحان البالغ عددها ثماني عشرة تحمل قضية مخيبة وهي تفاهة هم المثقف، والتي تعتبر أزمة على الصعيد العام في المجتمع، لهذه الأسباب لا أرى مسوغاً لتكثيف رسائلهما على مدار سرد الرواية سوى بيان الأزمة التي تعانيها الثقافة.

تبقى أربع رسائل مرسلة من أربع شخصيات مختلفة، وهم طبيب العيون السعودي فايز المرجان ومدرس اللغة العربية الفلسطيني عاهد سليمان، الإسباني عبد الحي القرطبي، الإمام الكويتي محفظ القرآن مسعود المرسل. إن هذه الرسائل تعطي انطباع أولي لسؤال: كيف خُلِقَت شخصيات المستوى الآخر من السرد؟ ولكونها جاءت في الربع الأخير من الرواية إلا أن زمنها الأصلي يعود إلى ما قبل السرد، فجميع ما ذكر فيها من معلومات تم خلطه ومزجه على أحداث المستوى الآخر الرواية كما يقول مرسل العجمي “الأحداث النوى والأحداث التوابع”[14]  وعلى تكوين الشخصيات فيها. 

يوجد في هذه الرسائل العديد من الدلالات على شخصية المؤلف الضمني، ومنها يمكن الاستدلال على موقعه؛ وأعني هنا الدراسة التي قامت بها الناقدة يمنى العيد “ينفتح الموقع على القول من إيديولوجي اجتماعي، ونحن حين نكشف بقراءتنا للنص، عن هذا الموقع، إنما نكشف عن هوية الإيديولوجي المتحكم في بنية النص وفي منطق نهوضه”[15] وللتنويه فإنني أستغل هذه النظرية على المؤلف الضمني فقط، فبشكل مختصر تقول الدلالات بأن هذا الكاتب ملتزم دينياً وأخلاقياً ولديه ذاكرة قوية تساعده على تذكر التفاصيل والحفظ، وأنها تجربته الكتابية الأولى؛ أي مبتدئ، ومنها نرى هذا الانعكاس في المستوى الآخر من السرد حيث تبدأ الفصول الأولى بتراكيب عادية ثُمَّ ما تلبث أن تتطور إلى الأجمل مع استمرار المؤلف الضمني في السرد، وكذلك استمراره بعدم استحضار وصنع مواضيع تثير ذهن المتلقي كالجنس والمحرمات وغيرها، يقول كليف جيمس: “إن معظم الروايات الأولى هي سيرة ذاتية مقنَّعة، هذه السيرة الذاتية ما هي إلا رواية مقنّعة”* فالذي حدث هو انقسام وانشطار للذات والآخر بوعي المؤلف الضمني. اُخلِّص بأن التماسك بين شخصية المؤلف الضمني وأسلوبه والدلالات المرسلة، كذلك القصص والأحداث التي ذكرت فيها، كان لها أثر قوي بتعزيز تماسك النص بشكل عام. يبدو أن الكاتب الحقيقي عبد الوهاب الحمادي وضع حاجز متين بينه وبين المؤلف الضمني؛ فمن خلال النص نلاحظ أن الثاني فكر وعاش واستثمر حياته وعلاقاته من أجل النص.

العجائبي: –

يفاجئنا النص بانتقاله من الواقعية إلى العجائبية، محاكياً ابن شُهيد في التوابع والزوابع، والمعري في رسالة الغفران، حاملاً جميع الشخصيات عبر باب في برج الطباق السبعة، عائدين فيها لسبع قرون مضت من التاريخ، مخترقين حاجز الزمن، في محاولة لتصحيح التاريخ والإجابة عن سؤال ال(ماذا لو؟). 

العجائبية التي استوى تعريفها لدى تودوروف هي: “التردُّد الذي يُحسُّه كائن لا يعرف غير قوانين الطبيعة، فيما هو يواجه حدثاً فوق طبيعي حسب الظاهر”[16] وهذا التردُّد يصاحب الخوف والجزع عند ظهور الفعل العجائبي، وبالتالي سيقوم بنقل المتلقي من المعقول إلى غير المعقول، وهذا ما حدث عندما كان السرد بصوت الطبيب “قادني فضول للنزول بحذر عبر الادرج الملتوي… اقتربتُ من الباب، من انفراجته أبصرت رجلاً لحيته حمراء أبيض البشرة يحمل سراجاً”[17] ثم يضيف تعليقاً “لم أجد بدّاً من الدخول في الظلمة وقد أمسك السمين يدي يبسمل”[18]، وكذلك أيضاً عندما ينتقل السرد لصوت الكاتب في الفصل الذي يليه “عاين الطبيب الجدران بحثاً عن أي أثر لقابس كهربائي، أو سلكٍ يلتوي كأفعى”[19]، إلى أن وصلت لحظة اليقين من اللامعقول “ضرب جمع الحرس أحذيتهم بالأرض ففرقعت مثل الرعد، تنحنح الإعلامي ناصباً ظهره على الأريكة، هوى قلب الداعية مثل ثمرة ناضجة في بطنه، يقين الطبيب…”[20] وبهذا اكتمل نمو الفعل العجائبي في النص، شاحذاً شخصيات الرواية من باب الطباق السبع، عائداً بهم إلى حدثٍ تاريخي مضى عليه سبعة قرون، حيث كانت غرناطة في آخر أيام حكم بني الأحمر مهددة بالسقوط من قبل جيش الصليبيين بقيادة الملك فرناندو وزوجته إزابيلا، مما استوجب فعل شيء عظيم لتغيير التاريخ؛ الذي سبق لهم معرفته ومعرفة تداعياته. تُحيلنا النهاية إلى جملة أ.د إبراهيم الجلاد في منتصف الرواية “نرتكب خطأ منهجياً عندما نختزل التاريخ في أشخاص”[21]، فالذي جرى نهاية استشرافية لما ستؤول إليه الأمور.

خلاصة: –

النقد ما هو إلا وسيلة لإبراز جمال الأدب، وقد عملت في نصي النقدي على  تَبَيُّن مواضع الجمال في رواية (ولا غالب) ، متتبعا سر التماسك في عناصر الرواية، وما تثمر من قضايا ومواضيع فكرية وثقافية، ولا أعني هنا بأنني قد ألممت بكل ما تطرح بشكل شامل، إنما سعيت لإبراز ما رأيته مناسب. الرواية العربية اليوم في أوج عطائها، فالكاتب استثمر تعددية الأصوات، في إنتاج قضايا متنوعة ذات صلة ببعضها، كذلك الاعتماد على الموروث العربي يبشر باستقلال الرواية العربية عن التبعية لمثيلتها الغربية، ويعطي صبغة مميزة لها، تراثنا الأدبي يحوي كنوز مخبوءة تحتاج إلى الكشف عنها من أجل استثمارها، فالتجارب الروائية التي قامت باستثمار التراث قليلة حتى وقتنا الحالي رغم غزارة الإنتاج.


[1] – الإمتاع والمؤانسة، أبي حيان التوحيدي، عني به عبد الرحمن المصطاوي، دار المعرفة، بيروت، ط١، ٢٠٠٤، ص١١

[2]– المثاقفة والمثاقفة النقدية، رواء نعاس محمد، مجلة القادسية في الآداب والعلوم التربوية، عدد ٣-٤، مجلد٧، ٢٠٠٨

[3]– إشكالية المثاقفة في النقد المعاصر، نسيمة بن زيان، بحث ماجستير، جامعة محمد بوضياف – المسيلة، الجزائر، ٢٠١٧

[4]– مقدمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، تحقيق: عبد الله محمد الدرويش، دار يعرب، دمشق، ط١، ٢٠٠٤، ص٢٨٣

[5]– عبد الوهاب الحمادي، ولا غالب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ٢٠٢٠، ص ٣٤

[6] المرجع نفسه ص١٧

[7]– المرجع نفسه ص٨٦

[8]– المرجع نفسه ص١٢٨

[9]– المرجع نفسه ص١٢٨

[10]– المرجع نفسه ص٥٦

[11]– المرجع نفسه، ص١٠٠

[12]– رسال في الطريق إلى ثقافتنا، محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٩٨٧، ص٣٠

[13]– المارايا المحدبة، عبدالعزيزحمودة، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط١، ٢٠٢٠، ص٢٠

[14]– تيارات نقدية معاصرة، مرسل فالح العجمي، مكتبة آفاق، الكويت، ٢٠١١، ص١٦٦

[15]– الرواي: الموقع والشكل، د. يمنى العيد، الفارابي، بيروت، ط١، ٢٠١٤، ص٤٢

*مقولة اشتهر بها الناقد والكاتب كليف جيمس، قرأتها في الكثير من المقالات والكتب، أورتها د. يمنى العيد في كتاب: فن الرواية العربية بين خصوصية الحكاية وتميز الخطاب، في فصل خصصته بالحديث عن رواية السيرة الذاتية وكان نموذجها ثلاثية حنا مينه.

[16]– تزفتان تودوروف، مدخل إلى الأدب العجائبي، ترجمة الصديق بوعلام، دار الكلام، الرباط، ١٩٩٣، ص١٨

[17]– عبد الوهاب الحمادي، ولا غالب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ٢٠٢٠، ص١٢٨

[18]– المرجع نفسه ص١٢٨

[19] المرجع نفسه ص١٣٤

[20]– المرجع نفسه ص ١٣٥

[21]– المرجع نفسه ص١٤٥

أضف تعليق