كان الجو رطباً في وقت الظهيرة، عندما جاء يوم موعد التسجيل بمبنى عمادة القبول والتسجيل في جامعة الكويت، كنت متأنقا بدشداشة وغترة، ذهبت هناك وركنت سيارتي في مكان بعيد، ولسبب ما ضللت طريقي وذهبت لمبنى آخر، حيث شاءت الأقدار أن أسير على قدمي إلى مقصدي. بالطريق صار العرق ينضحُّ من كل جسدي، حتى أن الدشداشة والغترة حاولا درء سيل العرق بامتصاصه، تخيلت منظري مقززًا، منفرًا، مقرفًا، دميمًا، بشعًا، على أي حال لم أهتم؛ خصوصاً إني استطعت إتمام التعليم الثانوي في سن متأخرة وهي الثانية والعشرون. واصلت السير متخطيًا مسافة طويلة، مررت خلالها بعدة مواقف للسيارات إلى أن ولجت المبنى.

كان المكان مكتظًا بعدد كبير من الطلبة المستجدين مثلي في صالة الاستقبال مقابل فتاة واحدة متأنقة تلفت الانتباه، عندما رأتني ابتسمت، لكنني ومن عادتي أن أصدّ؛ لأني رأيت من الواجب عليّ كشخص وسيم ألا أظهر اهتمامي بالفتيات حتى في حالتي الرثة هذه، أو لنقل لأرضي غروري على أقل تقدير. سلمت بطاقتي للأمن ليقيد اسمي من أجل السماح لي بالدخول.

حدث بعد ذلك أن استكملت تسجيلي وخرجت من حيث دخلت، ودون التطرق لمحاولة وصف اشمئزاز الموظفات في الداخل من هيئتي. كنت قد جلست على كرسي في الاستراحة، أردت التدخين بشدة لكن الجو لا يساعد، لهذا قررت أن أرتاح قليلاً ريثما يجف ما تبقى من العرق. اقتربت مني الفتاة دون أن ألحظ ورمت بسؤالها وهي تشير بإصبعها نحوي: أحديث التخرج أم متفرغ من عملك؟

أجبتها ورأسي يهتز ولا أعلم لماذا اهتز من سماع لكنتها الخليجية الغريبة: أي نعم.

– معك عواشه، هل فكرت بالدراسة بنظام الانتساب في مصر؟

– لا، لم أفكر! اشرحي هذا النظام، وما هي التخصصات المتاحة؟

كانت قد اقتربت مني كثيرا، وأكذب إن قلت بأنني ما كنت أرى شيئاً غيرها، وغير لونها البرونزي وبنطال الجينز المتمزق الذي يبرز خصرها المختنق، وقلادة تزين رقبتها تحت قميصها الأبيض، وما إن تلفظت بشفتيها المنتفخة حتى مدت يدها ببروشور، وقالت: أهلا، تفضل، كنبذة مختصرة حتى لا أشغلك، نحن جامعة خاصة في القاهرة ونعدّ الفرع الأول من جامعة أوكسفورد في دول الخليج، ومضى على افتتاح هذه الجامعة ٦ سنوات وتمكنّا من تخريج ٣٥٠ طالبًا، بإمكانهم الحصول على وظائف وشغل مناصب أو مواصلة الدراسات العليا بالجامعة الأم في بريطانيا.

كنت قد وصلت لحد الثمالة، البلاهة، السذاجة أيًّما كانت وقد قلت: جيد، وما هي التخصصات المتاحة؟

– لدينا تخصصات حقوقية وعلمية، والدوام يكون في أيام نهاية الأسبوع فقط وليس إلزاميا؛ ناهيك عن ميزة التعليم عن بُعد إن شئت (أونلاين)… هل تريد أن أسجل اسمك وبياناتك؟

– سجلي زيد… لحظتها انتفخت وتكلفت وتصنعت وكأنني واثق مما أفعل وأنا لا أعرف رأسي من قدمي .

هكذا بعد أن أنهت تدوين بياناتي، رجعت إلى سيارتي أمشي الهوينى، وكأن الرطوبة انسحبت وتسللت مكانها نسمة هواء باردة، ثم ركبتها، وقفلت إلى المنزل، حالماً طوال المسافة بأني صرت محاميًا، ومتخيلاً لدي مكتب وعواشه هي سكرتيرتي، وهي من تحضر لي قهوتي كل يوم مرتدية فستانًا قصيرًا، تضع سيجارة بمبسمي، تولعها، تأتي خلفي وتدلك رقبتي، كتفيّ… وأنا هادئ لا أتحرك.

هكذا إذن، دون أي تفكير أذعت الخبر في البيت بأنني سأدرس القانون في القاهرة، ولم يقتصر هذا المنبث على البيت فقط، بل كذلك بعض الأصدقاء الذين شجعوني على هذه الخطوة بشريطة التأكد من الاعتراف بهذه الجامعة لدينا، لكن لم أستطع مقاومة مغريات المكان وما أسمعه عن هذا البلد؛ العلم والانحراف، الفضيلة والرذيلة، والحياة سعيدة ما بين الدماثة والكزازة، وبكل صراحة فتنت بفكرة التعليم عن بُعد، وخصوصاً أن الجامعة لدينا لا تفكر فيها، مما يعني سفري للقاهرة سيكون للأنس والسهر، وأمام الجميع سيكون للعزيمة والمثابرة بطلب العلم.

وردني اتصال بعد يومين من عواشه، تطلب مني لقاءها لاستكمال التسجيل بدفع مبلغ ١٢٠٠ دولار، كجزء من رسوم التسجيل المبكر على أن أستكمل ٣٠٠٠ دولار باقية منه عند الوصول ليكون شاملا أسعار المواد. كان اللقاء في كافيه هوب بجانب المستشفى الأميري، تأنقت لكوني مقدمًا على دراسة بالخارج وذهبت، عندما وصلت اضطررت لركن السيارة في سرداب مواقف المستشفى، نزلت من السيارة وسرت بعجل للقاء صاحبة الشفاه المنتفخة وذات الخصر المختنق، فوجدتها في الأعلى، تجلس مع شابين، واحد بجوارها ضخم الرأس والآخر أمامها، عندها رأتني وابتسمت وأشارت أن أقترب منهم، اقتربت وحييتهم، وعرّفتني عليهم بأنني زميلهم الجديد الطموح، وعرفتني على زميلي الذي أمامها ودعتني أن أجلس بجانبه وأشارت إلى الذي بجانبها أنه المدير الإقليمي للجامعة في الشرق الأوسط، وقد جاء من أجل حملة التسويق التي يعتزمونها في الخليج. وقّع الشاب على ورقة ودفع لهم بظرف ومضى، بقيت وحدي أمام الحسناء والوحش، أو الغزال والقرد، الحورية والضفدع، أياً كان فإنه يعكر صفو هذا اللقاء، وخصوصا عندما لفت انتباهي بضخامة يديه والشعر الكثيف النابت في أصابعه. سلمتها النقود والأوراق الناقصة ووقعت، قالت إنهم سيقومون بتسجيلي في الحال مع استكمال باقي الإجراءات في التعليم العالي. بينما أنا معهما وصلتني رسالة بأنه قد تمت الموافقة على طلبي في الانتساب إلى الجامعة، استأذناني ليذهبا فأذنت لهما بهذا، رغماً عن شعوري المشتعل ولهفتي لأزيد الحديث معها.

بعد شهر وجدتني في القاهرة، وكنت قد تسلفت من الأهل والأصدقاء، لأكمل المبلغ المطلوب قبل السفر، اتصلت بعواشه وأخبرتها بقدومي، بدورها رحبت بي وأرسلت عنوان الجامعة، وأوصتني أن أحضر في تمام الساعة الرابعة. وصلت مع التاكسي للعنوان المطلوب، حيث كانت إدارة الجامعة عبارة عن عمارة قديمة! أُستقبلتُ برائحة خانقة كالطبيخ، دخلت وسألت إحدى الخادمات عن مكتب الآنسة عواشه، فأشارت إلي سأجدها بآخر غرفة في الممر على يسراي، دخلت فوجدت شفتيها المنتفخة تستقبلاني وهي جالسة في مكتبها، كانت مرتدية ذات القميص وتطوقها القلادة نفسها مثل أول مرة، حييتها، وأشارت مهللة المحيا بأن أجلس: أهلا… ،أنرت مكتبي المتواضع.

قلت: متواضع كيف وأنتِ فيه؟!

ضحكت واستلطفتني: لقد حضّرت أوراق الاعتماد في جامعتنا لكي توقعها لكن قبل التوقيع يجب التأكد من استلام النقود.

– “النقود بالتأكيد أحضرتها” فأخرجتها من حقيبتي بظرف ” تفضلي”

– “شكرا لك…” رفعت الأوراق: ” تفضل وقع عليها”

استلمت الأوراق وهي كانت تعدّ النقود، الأوراق مكتوبة باللغة الإنجليزية وعليها شعارات أعلاها، فلم أتعب نفسي بقراءتها، ووقعت بسرعة البرق وأرجعتهم لها، سلمتني إيصالا بالمبلغ، قمت فأخبرتني بأنهم سوف يراسلوني من أجل المباشرة في الدراسة، وودعتها لأذهب لفندق أبيت فيه ليلتين.

خرجت من العمارة وأحسست أني أريد الحمام بقوة، رجعت فوجدت الخادمة ونشدتها عنه، فأرشدتني أن أنزل السرداب وسأجد حماماً أمامه غسالة كهربائية. لحظة دخولي الحمام سمعت وقع أقدام تنزل الدرج، لم أستطع صبراً، ولجت لقضاء حاجتي، وكنت مرتاحاً جداً، لدرجة أني لم أكن أريد مغادرته، بدأت أسمع اثنين يتجادلان بهمس، وكأنهما يتعاركان الهمس، ركزت لأسمع حديثهما جيدا وأطلت أذني: إنه الطالب الرابع.. بقي فقط ٦ وننهي الموضوع.

– لا لن أنتظر… وقد سئمت هذا كله.

– يا أخي… اصبر قليلاً فقط ولن تطول أكثر.

– أنت لا تعلم قدر المجازفة بأنني في وجه المدفع.

شعرت بالفزع ورفعت البنطال بسرعة.

– اسكت ودع عنك الوسواس، انتظر قليلا، و سيذهب كل منا في حال سبيله.

– لكن…

– قلت اسكت وارتدِ…

خرجت ورأيت أمامي كرة قدم ملساء فوق جسد أنثوي! يدها تذيلت بشعر مستعار! التف الجسد وأزرّة القميص الأبيض جميعها مفتوحة! صعقت! بأنها …! فقلت من شدة الفزع: أنتَ من؟، اقتربت مني بخطوتين، خنقتني بيديها وقالت: عواشه، يا عيوني. خرج الصوت فحولياً وصرخ هاتفاً للآخر، فما كنت إلا أن أرى يداً أخرى تطول ثيابي وأخرى تخترق الهواء مصطدمةً بوجهي حتى وقعت على الأرض سريعاً، وأغمى عليّ…

أضف تعليق