كان أبو زيد مُلقى على الأرض أمام المبنى، في وقتٍ أظلم، حالته رثّه جداً. من المبنى خرج رجلان، حاولا التحدث معه بلا فائدة، قاما بحمله إلى الداخل. من الداخل وضعاه على سرير، لا يعي ما يسمع سوى أصوات طيور وكلاب، فغفا. بعد الغفوة الخفيفة، استنكر فأيقن بأنه محاطاً بممرضين يعتنون به بعدما حاول النهوض. انبرى له ممرض وقال: ” ارتاح ولا تخف… وإن شئت قل لنا ما جرى لك أو قصتك… فقط كن مرتاحاً”. بدأ أبو زيد بتذكر وسرد الأحداث التي ساقته في هذا الوقت المتأخر حيث هو.

“قصتي هي، لا أعلم من أين أبدأ. لنقل، أنا متورط بإدمان المزادات التي تقوم في منطقة كبد، أقوم بشراء وبيع الدجاج. بطبيعة الحال يتم البيع كلما زاد الطلب على الصنف، وإذا لم يكن هناك طلب أقوم بالاعتناء بدجاجاتي وكأنها جزء مني، لذا صرت ذائع الصيت لدى الباعة والمشترين. للتوضيح أنا لا أمجد نفسي، وأعلم بأنني إنسان عادي جداً إلا أن الذين يعرفوني من بعيد كانوا يعدونني صاحب حظ على كوني ضئيل الجسم كالسعفة بعد تثقيفها بسكين، إلا أن ما أضعه بالمزادات من دجاج عربي، تايلندي، هندي، أمريكي، حبحب، رومي، في الغالب يسبب انفجاراً ودوياً بين المتزايدين، وبالأخص أيّ بيعة تتم بسعرٍ مرتفع كان لدي فيها مقتبس، لدرجة أن الباعة المنافسين لي صاروا يراقبون ما أشتري ويقلدونني.

     حدث قبل أسبوع. كنت في مزرعتي حيث وردني اتصال من إحدى معارفي، وطلب مني أن أستضيف ديكاً نادراً يخص صديقاً له، فوافقت مباشرة ولم أبدِ اهتماماً في القادم النادر. عند المساء حضر الرجل ومعه القفص الحاوي على الديك، تناولته منه ووضعته على طاولة وقعدنا، تمعنت بالاثنين جيداً، الأول كان جبلاً بشري ضخم الكتلة، يشبه الذين خلقوا بعد نفاذ الطين لوحدهم -أستغفر الله- صرفت نظري عنه وانتقلت إلى الآخر، إذ كان فعلا نادراً، كان نسخة طبق الأصل عن ديك ألف ليلة وليلة، قوامٌ ممشوق، عرفٌ صافٍ بلون الدم ومن أعلاه يبدو كأنه مدبباً ومطرزاً مثل تيجان الملوك، وحتى الريش كأنه مكسوٌ بثوبٍ حريرٍ خالص السواد، لا أبالغ حين أقول بأنني في ثوانٍ معدودة صرت أرى قفصه كالقصر البديع. حدّثني بأن سبب إحضاره هو من أجل البيع، وهو على علم بأن سعره سيكون مرتفعاً وبالذات للذين يهوون الإنتاج، وأنا على يقين أنه لا يرى أبعد من أنفه، فاتفقنا أن يتركه عندي أياماً إلى حين وقت المزاد الذي كان يوم أمس الخميس. ناديت على الخادم ليحمله ويضعه بالقرب من بقيت الدجاج، فأخذ مفتاح سيارتي بدل عنه وأحرجني، فكان لابد من أن أزجره أمام الضيف، الذي تدخل وقال: مسكين لا يعلم، سامحه.

فقلت متذمراً: هل تصدق، أكثر من عام وما زال غبي الفهم!؟ فإن نسج هلهل وإن مشّط فلفل!

– تمهل عليه، لا بأس.

– سأسامحه رغماً عني لا تقلق، لنعد لموضوعنا. فاشترطت عليه حضور المزاد ، ويا ليتني لم أشترط بأن يحضر ليرى بيعه.

     مرت الأيام بسرعة وأنا أعتني به كأنه يخصني، إلى أن حضر يوم الخميس، اليوم المنشود للبيع العظيم، قررت عند الظهيرة أن أحمل الملك بقصره وأضعه في سيارتي؛ بحجة أن لدي عدة مشاوير مثل شراء الأعلاف وبعض الحاجات، وحتى لا أتعطل في الذهاب للمزاد. اشتريت كلَّ شيء، بَيْد أنَّي وأثناء عودتي حدث ما لم يكن بالحسبان، انسلخ إحدى إطارات السيارة بشكلٍ مباغت، فتوقفت بجانب الطريق، فنزلت بسرعة وبخفة لأقوم بتغيير العجلة، كان علي فتح صندوق السيارة ووضع الأعلاف خارجها مع تنحية التراكمات الفوضوية فيها جانبا، واستحضار ما يلزم ليمكنني من عملية التغيير بأسرع وقت. لهيب الشمس صار كالمسامير المثبتة على رأسي، وأنا على يقينٍ حينها بأنه ليس هناك عقاب أفظع من عقاب الحظ عندما ينقلب هو والدنيا عليك، أتممت العملية وأنا أشعر بنبضٍ في رأسي والعطش يطوقني، فعرجت على مزرعة صديق لي كانت قريبة من حيث وقوع المشكلة، ركنت السيارة فدخلت مباشرة إلى المطبخ لشرب الماء والاستراحة، مصادفةً كان الطعام جاهزاً لتوه، فأكلت معه وكنت أثرثر بما وقع لي وأنا في الطريق، ما أن فرغنا حتى ألزمني بشرب القهوة والشاي، حينها كنت أتلذذ بنسمات المكيف الباردة وهي تنهال علي، وأسندت رأسي على وسادة، لأرتاح قليلا، لكن الراحة انضمت لصف الحظ والدنيا.

ظلامٌ حين فتحت عيناي وشعرت بأن رأسي كالصخرة، وكأن الجاذبية تحضنني بشدة، نهضت بتروٍ لكني صعقت عندما عرفت أن الوقت أمسى، وأنني مت وبعثت حياً. كالمجنون قفزت، بل كالمهبول من مكاني إلى سيارتي، فإذا بالديك الملك صار كمن يشحذ الحياة منكمشاً على نفسه، بخفة ركضت لأحضر له الماء وقمت بالرش عليه، والتقطير داخل منقاره لعله فقط يستفيق، لكنه أبى وظل خملاً لا طاقة له، الحقيقة البشعة لحظة أن يعاقبك الذل بهيئة كائن ضعيف، ترجوه بكافة جوانحك دون طائل. أصابتني حيرة لحظتها، أأذهب به إلى المزاد وأودعه للبيع وهو على هذه الحال؟ أم لا؟!، لكن أخيراً اهتديت إلى فكرة العودة بالديك لمزرعتي، ثم الذهاب للمزاد، وهناك أخرجته خارج قفصه ووضعت الماء أمامه، وأمرت الخادم بإدخال جميع الدجاجات في أقفاصها.

انطلقت للمزاد وكنت أمنّي النفس بعدم لقاء صاحب الديك، ركنت سيارتي بعيداً. المكان عبارة عن خيمة كبيرة تحاوطها سيارات كثيرة في الخارج، ومن الداخل الصورة أشبه بحلبة مصارعة محاطةً بالجمهور الذين يقتعدون الكراسي حواليها، ولأن يوم الخميس أفضل يوم للبيع والشراء، فإن عدد الحاضرين لا يمكن إحصائه، مما حثّني النزول متسللاً إلى الداخل، اقتربت عند المدخل فتفحصت الحضور جيداً وأنا أصيخ السمع لميكروفون المزايدات، فاطمأنت نفسي بأنه غير موجود، فقلت لنفسي أن أتقدم وأقتعد مكاني المعتاد، أسمع البعض ينادي “أبو زيد” ليحييني فألتفت إليه بابتسامة كالعادة وهكذا. انشغلت بمتابعة المزاد لكن فجأة تكوّن واقفاً بجانبي دون أن أشعر به، قال: متى يحين دور حلالي، أبو زيد؟

عندما وقع علي السؤال شعر بأني أتفتت من الفزع لحظتها: أهلا بالغالي… اجلس بجانبي فجلس.

– أتوقع بأن سعره سيكون باهضاً، اليوم.

– لا تستعجل، أنا على عكسك تماماً، فلقد أحسست قبل المجيء بأن هذا يوم شؤم، وها أنت ترى نتيجة البيع فيه.

– متى ستقوم بعرضه، إذاً؟!

– أرجوك لا تقلق لأنني سأقوم بذلك غداً، ما رأيك في العشاء عندي هذه الليلة؟… وكنت أبلهاً عندما طلبت منه ذلك وألححت عليه، فقمت بالاتصال بالخادم ليجهز لنا عشاء بعد ساعة.

رجعت لمزرعتي بعد قضاء ساعة في متابعة المزاد، ولحقني هو بسيارته، فاتصلت بخادمي ليجهز الطعام وأنا بالطريق، لحظة ترجلنا ودخولنا للمزرعة كان الطعام جاهز، ورائحته الزكية تفوح، فجلسنا وأكلنا وتبادلنا أحاديث بعيدة من جانب واحد، فقد كان الضيف يأكل بشره ويهمم مثل البهائم، ثم ما إن فرغنا حتى طلبت من الخادم أن يحضر لنا الشاي، كعادته الغبية أحضر قدراً فارغ لا علاقة له بالشاي فزجرته، قام ضيفي وقال: ” ربما في المرة المقبلة سنشرب الشاي، لا داعي للشاي الأن… هل يمكنني أن أرى ديكي؟” ناديت على الخادم ليحضر الديك، فهز رأسه مع ابتسامة، صرخت عليه ليفهم، لكن خادمي كرر حركته مع إشارة بيده لما بقي على السفرة من طعام! وقع المحظور! تمنيت أن تبتلعني الأرض من هول الصدمة أو الفاجعة، جحظت عينا ضيفي الذي تغير لون وجهه، صرخت على الخادم وقلت له إنه أهبل، مجنون، غبي، وسأعاقبه بخصم راتبه… وأنني سأعوض مبلغ الديك… لكنه قام وقال: “حصل خير، أبو زيد” فسارعت أحاذيه وهو يغادر وأعده بتعويضه مبلغه، بأي شيء أملك، حاولت قصص عليه الحقيقة ما جرى للديك والحرّ الذي تلقفه مقابل مسامحته لكنه ظلّ صامتاً حتى اقتربنا من سيارته، فإذا بالثور الهائج يدور باتجاهي ليطوق رقبتي بيديه الثقيلتين، فيتأبطني ويجرني عند صندوق السيارة كالريشة، فأبدع برسم لوحة من اللكمات على وجهي، كنت أصرخ من الألم لكن لا مجيب، استسلمت وراح يسحبني من قفا ثوبي وأنا لا حول ولا قوة، فتح صندوق السيارة ورماني داخلها وأنا أتأوه وأتألم، ثم قال: “ستشعر بالراحة أكثر، الأن”. وأغلقها ومضى يسير بسرعة عابرا مطبات العالم في ثوانٍ وأنا أترنح داخلها، على ثلاث مراحل، وأنا أستنشق الآهات والعبرات، كل مرة يتوقف فيها يفتح الصندوق، يقول: “تريد ماء؟”، وقبل أن أجيبه ابن الكلبة ينثُّ علي الشتائم واللعنات ويلطمني ثم يغلق الصندوق مرة أخرى، إلى أن توقف أخيراً، ففتح الصندوق وأودعني بكل أدب على أرضٍ أجهلها، بصحبة ركلة على بطني، نافضاً تراب عجلاته علي، لحظتها لمحت لافتة خضراء كُتب عليها “مستشفى الدهماء البيطري”. تمنيت شكره لإنعامه علي بالأوكسجين أخيراً، أظنه أرادني أن أتصور كيف يكون حال الحيوان الضعيف عندما يعذب بالخنق، وكأن الحظ شاء أن يلحقني بحال الديك…”

أضف تعليق