حسناً، قصتي هي، لا أعلم من أين أبدأ. لنقل، أنا متورط بالمزادات التي في منطقة كبد، أقوم بشراء وبيع الدجاج. بطبيعة الحال يتم البيع كلما زاد الطلب على الصنف، وإذا لم يكن هناك طلب أقوم بالاعتناء بدجاجاتي وكأنها جزء مني، فكان صيتي يرن وبقوة عند الباعة. للتوضيح أنا لا أمجد نفسي، وأعلم بأنني انسان عادي جداً إلا أن الذين يعرفوني من بعيد كانوا يعتبرونني أسكوبار كبد[1] على كوني ضئيل الجسم كحيوانٍ منوي، إلا أن ما أضعه بالمزادات من دجاج عربي، تايلندي، هندي، أمريكي، حبحب، رومي، في الغالب يسبب انفجاراً ودوياً بين المتزايدين، لدرجة أن الباعة المنافسين لي صاروا يراقبون ما أشتري ويقلدونني.

     حدث قبل أسبوع. كنت في إسطبلي حيث وردني اتصال من إحدى معارفي، وطلب مني أن أستضيف ديكاً نادراً يخص صديقاً له، فوافقت مباشرة ولم أبدِ اهتماماً في القادم النادر. عند المساء حضر الرجل ومعه القفص الحاوي على الديك، تناولته منه ووضعته على طاولة وقعدنا، تمعنت بالاثنين جيداً، الأول ثور بشري ضخم الكتلة، ولأن شكله من الذين خلقوا بعد نفاذ الطين -أستغفر الله- صرفت نظري عنه وانتقلت إلى الآخر، إذ كان فعلا نادراً، كان نسخة طبق الأصل عن ديك ألف ليلة وليلة، قوامٌ ممشوق، عرفٌ صافٍ بلون الدم ومن أعلاه يبدو كأنه مدبباً ومطرزاً مثل تيجان الملوك، وحتى لون الريش كان أسودَ ملكياً، لا أبالغ حين أقول بأنني في ثوانٍ معدودة صرت أرى قفصه كالقصر البديع. حدثني بأن سبب احضاره هو من أجل البيع، وهو على علم بأن سعره سيكون مرتفعاً وبالذات للذين يهوون الإنتاج، وأنا على يقين أنه لا يعرف كوعه من بوعه، فاتفقنا أن يتركه عندي أياماً إلى حين وقت المزاد الذي كان يوم أمس الخميس، بشرط؛ والذي أوله شرط آخره نور، ويا ليتني لم أشترط بأن يحضر ليرى بيعه.

     مرت الأيام بسرعة وأنا أعتني به كأنه يخصني، إلى أن حضر يوم الخميس، اليوم المنشود للبيع العظيم، قررت عند الظهيرة أن أحمل الملك بقصره وأضعه في سيارتي؛ بحجة أن لدي عدة مشاوير مثل شراء الأعلاف وبعض الحاجات، وحتى لا أتعطل في الذهاب للمزاد. اشتريت كلَّ شيء، بَيْد أنَّي وأثناء عودتي حدث ما لم يكن بالحسبان، انسلخ إحدى اطارات السيارة بشكلٍ مباغت، فتوقفت بجانب الطريق، فنزلت بسرعة وبخفة لأقوم بتغيير العجلة، كان علي فتح صندوق السيارة وإنزال العلف، واستحضار ما يلزم ليمكنني من عملية التغيير بأسرع وقت. لهيب الشمس صار كالمسامير المثبتة على رأسي، وأنا على يقينٍ حينها بأنه ليس هناك عقاب أفظع من عقاب الحظ عندما ينقلب هو والدنيا عليك، أتممت العملية وأنا أشعر بنبضٍ في رأسي والعطش يطوقني، فعرجت على إسطبل صديق لي كان قريبا من حيث وقوع المشكلة، ركنت السيارة فدخلت مباشرة إلى المطبخ لشرب الماء والاستراحة، مصادفةً كان الطعام جاهزاً لتوه، فأكلت معه وكنت أثرثر بما وقع لي وأنا في الطريق، ما أن فرغنا حتى ألزمني بشرب القهوة والشاي، حينها كنت أتلذذ بنسمات المكيف الباردة وهي تنهال علي، وأسندت رأسي على وسادة، لأرتاح قليلا، لكن الراحة انضمت لصف الحظ والدنيا.

     ظلامٌ حين فتحت عيناي وشعرت بأن رأسي كالصخرة، وكأن الجاذبية تحضنني بشدة، نهضت بتروٍ لكني صعقت عندما عرفت أن الوقت أمسى، وأنني مت وبعثت حياً. كالمجنون، قفزت كالمهبول من مكاني إلى سيارتي، فإذا بالديك الملك صار شحاذاً منكمشاً على نفسه، حيث بخفة ركضت لأحضر له الماء وقمت بالرش عليه، والتقطير داخل منقاره لعله فقط يستفيق، لكنه أبى وظل خملاً لا طاقة له، الحقيقة البشعة لحظة أن يعاقبك الذل بهيئة كائن ضعيف، ترجوه بكافة جوانحك دون طائل.

     انطلقت للمزاد وكنت أتمنى عدم وجود صاحبه، لكن على غير ما أتمنى، لمحته أول الحضور، فذهبت لأسلم عليه والديك ما زال في السيارة. فسألني: أين حلالنا؟ فقلت: موجود بأحسن حال، الأن سأدخله لنفاجئهم. فانتشر السرور على وجهه، وهو لا يدري ما ينتظره. أخذت معي قنينة ماء، وصببت الماء في غطائها لأجريه داخل فم الديك. كان يستقيم قليلا ثم يخمد، إلى أن استقام بثبات بعد ثالث جولة من الشرب، ويا جبل ما يهزك ريح، تنفست الصعداء واستعدت قليلا من كبريائي وكاريزمتي، فحملت القصر الأندلسي وفيه سيد الملوك إلى العرض، وأعطيتهم أوصافه وسماته ثم جلست بقرب صاحبه. فأنا كما قلت أسكوبار كبد وبضاعتي مقدمة على الجميع دائما، وإذ بهم يقحمونه داخل القفص بانتصابه المعتاد ولونه الأسود الصافي والعرف التاجي، ويذيعون: “بيعتنا لهذه الليلة… ديك عربي نادر… بديك ألف ليلة وليلة…” ثم حدثت المفاجأة… سقط الديك بغتة على وجهه، فنظرت لعيني صاحبه الجالس بجانبي، فإذ بهما تتسعان وهو يلف رأسه نحوي والناس يضحكون ويكركرون من كل الجهات، فقلت: عين!، لكن نظرة الثور الغاضب لي لم تتغير. قال: قل لي بصراحة ماذا فعلت به؟. على كلٍ الكلمة التي تستحي منها ابدها، فقصصت له ما جرى لعلي ألتمس منه شفاعة ويسامحني، فهدأ فجأة وقال: شكرا على كل شيء. نهض وأدبر، وارتحت لما بدر منه من تفهم وتعقل.

     أثناء عودتي لإسطبلي، أتت سيارة أمامي واستوقفتني، كنت سأنزل لأرى ما خطبها، فإذا بالثور الهائج ينقذف منها ويركض باتجاهي ليطوق رقبتي بيديه الثقيلتين ويجرني من النافذة كالريشة إلى خارج السيارة، فأبدع برسم لوحة من اللكمات على وجهي، كنت أصرخ من الألم لكن لا مجيب، استسلمت وراح يسحبني من ثوبي إلى خلف سيارته وأنا لا حول ولا قوة، فتح صندوق السيارة ورماني داخلها وأنا أتأوه وأتألم، ثم قال: الأن ستشعر بالراحة أكثر. وأغلقها ومضى يسير بسرعة عابرا مطبات العالم في ثوانٍ وانا أترنح داخلها، على ثلاث مراحل، وأنا أستنشق الآهات والعبرات، كل مرة يتوقف فيها يفتح الصندوق، يقول: تريد ماء؟، وقبل أن أجيب ابن الكلبة يبصق بوجهي ويغلقها مرة أخرى، إلى أن رجع لسيارتي ووضعني بكل أدب داخلها مع بصقة ختامية لدرجة أني تمنيت شكره لإنعامه علي بالأكسجين أخيرا.


[1] – منطقة بالأساس للزراعة والرعي تقع في دولة الكويت، لكن تتميز بأنها أرض خصبة صالحة للأدب القوطي.

أضف تعليق