I
قررت أن يكون هذا اليوم هو الأخير لي بهذا الجسد، لأنني فقط سئمت من النحس الذي صاحبه منذ دخولي الكويت، فشهر ونصف دون عمل مدة كافية لإقناعي أن الحياة يجب أن تنتهي في هذا اليوم، شهر ونصف يعيلني شريكي أكل اللحوم في الغرفة، الشريك الذي قيدته بقوانين صارمة لحظة طلب مني المشاركة في السكن، مثل عدم تشغيل قرآن أو التأخر بعد الساعة التاسعة مساءً، واستقبال ضيوف، الإكثار من الأسئلة والتدخل فيما لا يعنيه، كل هذا مقابل غرفة أرضية لا تدخلها الشمس، فيها سريرين جميلين رغم حقارة حجمهم، وطاولة مشتركة بينهم تصل للركب، بالإضافة لمروحة معلقة وهي من جعلتني أستغلها لرفع سعر المشاركة. الحمام كان مشترك مع أغلب سكان الطابق الأرضي، فالمحافظة عليه فرضت على الجميع.
أياً كان.. فقد عاملني برفق عندما علم بطردي من العمل، بل عرض أن يحاول توظيفي معه في المطعم، لكنني لم أقبل والسبب علمي أنها مستحيلة. يحضر لي وجبة الغداء يوميا من المطعم الذي يعمل به، لم اتقبل الوجبة بسبب النصف دجاجة المركونة فيها لكن مع الأيام اعتدت عليها مجبر. في البدئ بعد أن طردت، سرت ليل نهار أصول واجول عن وظيفة تناسبني، لكن مع مرور الوقت صرت انتظر أي وظيفة كانت، لأعانقها لتنتزع عناق النحس والشؤم.
لا يهم.. اليوم هو الأخير، لا املك مما تبقى لي سوى القليل، ولا يساعدني لأعود للبلاد وانضم لأسرتي، صرت متيقن بأن ابنائي لن يكملوا تعليمهم، والأكيد أنهم سوف يتشتتون، ما العمل وأنا لا أملك قلة الحيلة.
على كلٍ.. ذهبت اشتري خمراً وحبلاً، الحبل اولا اشتريته جديد غير مستعمل، ثم الخمر الذي كان مصنعه بسطح البناية؛ ربما أردت لجسدي أن يشعر بالسعادة لحظة الوداع. في هبوطي إلى الغرفة بعجل كنت أسمع دقات قلبي واشعر بفرح، فتحت الباب وأضأت الأنوار فرأيت علبة الطعام البيضاء تنتظرني بكيسها على الأرض، أغلقت الباب وأقفلته ثم أخرجت آخر النقود ووضعتها على سرير شريك السكن، فهو المستحق لإرثي الوضيع، حملت الطاولة ووضعتها في منتصف الغرفة، صعدت عليها ومعي الحبل الذي عقدته على المروحة بإحكام ثم خلقت منه عقدة تكفي دخول رأسي. أخرجت الوجبة واحضرت الخمر ووضعته جانبها، أكلت ملعقة واحدة وتجرعت من الخمر مباشرة دون أن أمهله الولوج لعقلي، نهضت أودع آخر ما أرى وانا ازيح الطاولة بمسافة تكفيني للقفز منها ورقبتي حول العقدة، أدخلت رأسي داخل العقدة حتى رقبتي وشددتها قدر استطاعتي، أسدلت يدي وتأملت الغرفة، فقفزت.
II
أسمع وقع أقدام فوقي. أنهض بصعوبة. أسمع جمجمات حولي. استقيم فأجد رجال مدبرين يرتدون الأخضر أمامي. آخرون زيهم كحلي بجانبي. إنها غرفتي. شريكي في الخلف يبكي ويزيد قبحاً. أتقدم من الذين يرتدون الأخضر. أرى الحبل مشدوداً من سماء الغرفة. اقترب لأراني معلق. الحبل أطبق على عنقي. عيوني بيضاء. لساني متدلي على يمين شفتي. أهكذا صار شكلي! هل هي علامة بتحول روحي إلى كلب ؟