كنت قد طلبت منه طابعاً، فذهب ولم يعد. حينها فرحت عندما مضى على تأخره عشر دقائق. الأوراق ملقية أمامي لأستكمل باقي الإجراءات على معاملته. تبقى من الوقت خمس دقائق على اغلاق سستم الوزارة وبداية عطلة نهاية الأسبوع. كما هي العادة وضعت أوراقه على الرف العلوي المعلق بجانب مكتبي حتى إذا عاد مع الطابع قمت باستكمالها.
اذكره لحظة دخوله المبنى عندما وصل شدهني شكله المتصلب، رغم أنني لم أهتم بأشكال وأصناف البشر منذ مضي أسبوع تعيني الأول. كان يرتدي نظارة سوداء معتمرا قبعة، فتمنيت ألا يكون عميلي إذا صادف رقم انتظاره في كاونتري، كنت أختلس مراقبة جلوسه الذي يوحي بتوقف الزمن، خلال انجازي لمعاملتين، مجبور فيهما دون حضور اصحابهم لدي تحت بند (الواسطة). ضغطت زر تبديل الأرقام وانتظرت دقائق، ولم يحضر صاحب الرقم المعلن فوقي، ناديت بصوت عالي، فاستقام المتصلب بسرعة وعجل الخطو نحوي. أفزعني ما رأيت، عندما سلمني الأوراق، بعض أصابعه متقرحة ومنصهرة مع الأظافر بلون بني ينازع التورد مما دعاني الإسراع في إنجازها.
رجعت لمبنى عملي وانا ارجو ايجاد محفظتي، التي ربما نسيتها فيه، بعد انقضاء يومين على العطلة. هناك قابلت حارس الأمن الذي تبجح بتعليمات المدير التي تنص على عدم ادخال أي موظف، ولا يوجد حل غير قانون أرخ الجيب يرخص لك المزيون، ويولجك مغارة علي بابا، إذا اردت. دخلت مسرعاً لأنتشل حاجتي من درجي، كنت أستنشق رائحة عفنة تسلطت علي أثناء صعودي الدرج وزادت في الممر، فقبضت على انفي بشدة وعبرت إلى قسمي نصف المستريح من الرائحة. سحبت محفظتي واتصلت على الحارس استفسر عن سبب الأوكسعفين الذي غطى الطابق الثاني. سمعت صدى صوت خطواته الضجرة وهي تخفت حتى تتلاشى. فجأة! دوى صوته بجزع: يابيه.. ميت! اتصل على الشرطة!!